السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
{ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحْتَمَلُوا۟ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا }
سورة الأحزاب . الأية 58
تفسير الأية :
القرطبي :أذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالأفعال والأقوال القبيحة , كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق . وهذه الآية نظير الآية التي في النساء : " وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا " [ النساء : 112 ] كما قال هنا .
ابن كثير : أي ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه " فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا " وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة
تعريف البهتان :
البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة ، وأصله من بهت الرجل إذا تحير ، فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمته ، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه " بهتانا " ، ومنه الحديث : "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " .
بين يدي الأية :
ذكر علماء المسلمين بأن أذية الرسول عليه الصلاة و السلام كفر , و أذية المؤمنين كبيرة من الكبائر , و البهتان من أشد أنواع الظلم الذي يقع على المسلم , لما له من أثر نفسي بليغ , و تشويه لسمعتهم بين الناس لهذا عده المولى عز وجل إثما كبيرا , كما أن النبي عليه الصلاة و السلام حذر منه : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالأتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته .(صحيح مسلم)
وقد روى أبو داود والترمذي وصححه قول عائشة عن صفية أنها قصيرة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال {لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته } .
و قد قال الشاعر ابن عبد البر :
لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليله
وعن ابن مسعود مرفوعا { سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر } متفق عليه .
عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل [ ص: 10 ] ليكذب حتى يكتب كذابا } رواه البخاري موقوفا . ورواه مسلم مرفوعا .
كفارة البهتان :
على الإنسان أن يتوب و يستغفر الله و يعقد العزم على أن لا يفتري على المسلمين ما ليس فيهم و أن يتحلل ممن بهته بأن يعتذر و يطلب السماح منه , لأن الله أقسم بعزته و جلاله لينصرن المظلوم و لو بعد حين . و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ ، قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حِينَ لا يَكُونُ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ " .
هذه قصة لمن أراد الإتعاظ :
شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ
قـالوا إنًه لا يحسن يصلي
فقال سعد : أمّـا أنا , فانّي كنت أصلي لهـم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخْرم عنها , أركــد في الأوليين , وأحذف الأخرين .
قال عمر
: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق ,ثم بعث رجالآ يسألون عنه في مجــالس الكوفـة , فكانوا لا يأتون مجلسآ إلا أثنو عليه خيــرآ , وقالــوا معروفآ , حتى أتوا مسجدآ من مساجدهـم , فسألوا رجل يقال له أبو سعدة .
فقال : اللًهم إذا سألتمونا عنه , فإنّه كان لا يعـدل في القضية , ولا يقسم بالسوية , ولا يسير بالسرية .
فقال سعـد : اللّهم إن كان كذابآ , فأعم بصره , وأطل فقره , وعرضه للفتن ( وكان سعد مستجاب الدعوة ببركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له).
قال عبد الملك , يعني ابن عمير الراوي عن جابر:
فأنا رأيته يتعرض للإمـاء في السكك وهو شيخ بلغ من العمر عتيآ , فإذا قيل له : كيف أنت يا أبو سعدة ؟
قال : كبير فقير مفتون , أصابتني دعوة سعد.
هذا عقاب البهتان في الدنيا فما بالك بالأخرة ؟ و لا حول و لا قوة إلا بالله .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد لله رب العالمين .